آثار الكحول في الكبد معلومة جيّدًا. غير أنّ الكحول قد يصيب لا الكبد وحده، بل أقسامًا كثيرة من الجهاز الهضمي ابتداءً من الفم، ومنها المريء والمعدة والبنكرياس والأمعاء.
وقد تختلف هذه الآثار بحسب مقدار الكحول المتناوَل ومدّة الاستعمال وطريقة الشرب وخصائص المرء الوراثية وحال تغذيته ووزن جسمه والأدوية التي يستعملها والأمراض المرافقة.
ويرفع تناول الكحول المنتظم بمقادير كبيرة خاصّةً خطرَ نشوء داء الكبد والتهاب البنكرياس وبعض سرطانات الجهاز الهضمي.
كيف يصيب الكحول الجهاز الهضمي؟
يلامس الكحول الجهاز الهضمي ملامسةً مباشرة، ويبلغ بعد امتصاصه سائر الأعضاء عن طريق الدم، وفي مقدّمتها الكبد.
وقد يؤدّي الكحول والأسيتالدهيد الناشئ في أثناء تفكّكه إلى آثار ضارّة في الأنسجة.
وقد يسهم تناول الكحول المديد بمقادير كبيرة في:
- تخريش سطح الجهاز الهضمي وأذيّته
- اختلال آليات الدفاع الطبيعية في الخلايا
- ازدياد الشدّة التأكسدية
- اختلال الحاجز المعوي
- عوز الأغذية والفيتامينات
- أذى الكبد والبنكرياس
- ارتفاع خطر نشوء بعض السرطانات
الكحول والجزر
قد يزيد الكحول عند بعض الناس شكاوى الجزر المعدي المريئي.
فقد يسهّل ارتداد محتوى المعدة إلى المريء بتأثيره في وظيفة البنية العضلية في الطرف الأسفل للمريء.
وينشأ عن ذلك ظهور شكاوى أو ازدياد الشكاوى القائمة مثل:
- حرقة في الصدر
- صعود ماء مرّ أو حامض إلى الفم
- تجشّؤ
- حرقة في الحلق
ولمّا كان أثر الكحول يختلف من شخص إلى آخر، فقد ينفع من يتّضح جزره بعد الكحول خاصّةً أن يقلّله أو يتركه.
هل يضرّ الكحول بالمعدة؟
نعم.
فقد يخرّش الكحول سطح المعدة تخريشًا مباشرًا. وقد يسبّب تناول الكحول بمقادير عالية أو مركّزة خاصّةً أذًى في مخاطية المعدة.
وينشأ عن ذلك مشكلات مثل:
- ألم أو حرقة في المعدة
- غثيان
- قياء
- فقدان الشهية
- التهاب المعدة
والكحول مهمّ كذلك عند من لديهم عوامل خطر أخرى للنزف الهضمي.
فقد يزيد استعماله مع مسكّنات الألم من زمرة مضادّات الالتهاب اللاستيرويدية كالأسبرين والإيبوبروفين والنابروكسين والديكلوفيناك الضررَ في مخاطية المعدة وخطرَ النزف.
هل يسبّب الكحول القرحة؟
السببان الأساسان للقرح الهضمية هما إنتان جرثومة المعدة وأدوية زمرة مضادّات الالتهاب اللاستيرويدية.
ولذلك ليس من الصواب عزو كلّ قرحة معدة أو اثني عشر إلى الكحول مباشرةً.
غير أنّ الإفراط في الكحول قد يخدش السطح الواقي للمعدة والاثني عشر، ويزيد الشكاوى القائمة، ويسهم في اشتداد المشكلات خاصّةً عند ذوي عوامل الخطر الأخرى.
الكحول وسرطان المريء
استعمال الكحول عامل خطر مهمّ قابل للتغيير، وبخاصّة من جهة سرطان المريء حرشفيّ الخلايا.
ويزداد الخطر عمومًا كلّما ازداد المقدار المتناوَل.
وثمّة هنا نقطة أخرى بالغة الأهمّية:
فاستعمال الكحول والتدخين معًا يرفع الخطر أكثر.
ولذلك يكون الخطر الكلّي أعلى عند من يستعملون التدخين والكحول معًا من جهة سرطانات المريء ومنطقة الفم والحلق.
هل يصيب الكحول البنكرياس؟
نعم. فالبنكرياس من الأعضاء التي قد تتأثّر بالكحول تأثّرًا مهمًّا.
ويرتبط الإفراط في الكحول بنشوء:
- التهاب البنكرياس الحادّ
- التهاب البنكرياس الحادّ المتكرّر
- التهاب البنكرياس المزمن
وقد يظهر التهاب البنكرياس الحادّ بألم شديد يبدأ عادةً في أعلى البطن وقد ينتشر إلى الظهر، وبغثيان وقياء، وقد يسير سيرًا خطيرًا عند بعض المرضى.
أمّا استعمال الكحول المديد فقد يسهم في التهاب البنكرياس المزمن.
ماذا يحدث في التهاب البنكرياس المزمن؟
قد تختلّ بنية البنكرياس السويّة ووظائفه إثر تأذّيه مدّة طويلة.
وينشأ عن ذلك:
- ألم بطني مستمرّ أو متكرّر
- اضطراب هضم
- تبرّز دهني كريه الرائحة
- نقص وزن
- اضطراب تغذية
- سكّري
واستمرار من لديه التهاب بنكرياس مزمن ناجم عن الكحول في استعماله قد يسهم في تقدّم الداء.
ولمّا كان التدخين عامل خطر مستقلًّا لالتهاب البنكرياس المزمن، فإنّ ترك الكحول والتدخين معًا مهمّ خاصّةً.
كيف يصيب الكحول الكبد؟
من أهمّ آثار الكحول في الجهاز الهضمي ما يُشاهَد في الكبد.
فالكبد هو العضو الذي يُستقلَب فيه القسم الأكبر من الكحول المتناوَل.
وقد ينشأ في الكبد إثر تناول الكحول مدّة طويلة أو بمقادير كبيرة أذًى بدرجات مختلفة يتبع بعضها بعضًا:
تشحّم ← التهاب ← تليّف ← تشمّع
غير أنّ هذا المسار لا يتقدّم بالسرعة نفسها عند كلّ أحد.
تشحّم الكبد الناجم عن الكحول
قد يؤدّي استعمال الكحول إلى تراكم الدهن في خلايا الكبد.
ويُسمّى ذلك تشحّم الكبد الناجم عن الكحول.
ولا يُحدث هذا الدور في الغالب أعراضًا، وقد يُتبيَّن مصادفةً في تحاليل الدم أو في التصوير بالأمواج فوق الصوتية.
وقد يتراجع التشحّم وقسم من أذى الكبد بترك الكحول في الدور الباكر.
ما التهاب الكبد المرتبط بالكحول؟
قد يؤدّي استعمال الكحول المكثّف المديد عند بعض الناس إلى التهاب خطير في الكبد.
وقد يُشاهَد في هذه الحال:
- يرقان
- فقدان شهية
- وهن
- غثيان
- حمّى
- ألم بطني
- تجمّع سائل في البطن
والتهاب الكبد المرتبط بالكحول الشديد داء خطير قد يهدّد الحياة، وقد يستلزم العلاج في المستشفى.
الكحول والتشمّع
قد ينشأ في الكبد تندّب دائم إثر أذًى مستمرّ سنين طوالًا. ويُسمّى ذلك التشمّع.
وقد تنشأ بعد حدوث التشمّع مضاعفات خطيرة مثل:
- الحَبَن
- دوالي المريء والمعدة
- نزوف الجهاز الهضمي
- تبدّلات الوعي (اعتلال الدماغ الكبدي)
- اليرقان
- قصور الكبد
- سرطان الكبد
وترك الكحول تركًا تامًّا عند من نشأ لديه تشمّع بالغ الأهمّية في إبطاء تقدّم الداء وتحسين مدّة الحياة.
هل يرفع الكحول خطر سرطان الكبد؟
نعم.
فتناول الكحول المكثّف المديد يرفع خطر السرطانة الكبدية الخلوية (سرطان الكبد)، وبخاصّة إن أدّى إلى التشمّع.
وقد يؤثّر وجود عوامل خطر أخرى كالتهاب الكبد B والتهاب الكبد C والبدانة وداء الكبد الاستقلابي في الخطر الكلّي أكثر.
هل يصيب الكحول الأمعاء؟
نعم.
فقد يؤثّر الإفراط في الكحول في عمل الأمعاء السويّ.
وقد يُشاهَد عند بعض الناس:
- إسهال
- ألم بطني
- انتفاخ
- تبدّل في حركات الأمعاء
وقد يخلّ استعمال الكحول المديد المفرط بالحاجز الطبيعي في جدار الأمعاء أيضًا. وينشأ عن ذلك ازدياد مقدار بعض الموادّ العابرة من الأمعاء إلى الدم، وقد يكتسب ذلك شأنًا خاصّةً عند من لديهم داء كبدي.
هل قد يؤدّي الكحول إلى اضطراب التغذية؟
قد يؤدّي تناول الكحول المكثّف المديد إلى تغذية قاصرة غير متوازنة.
فالكحول يحوي طاقة عالية، غير أنّه لا يوفّر ما يحتاجه الجسم من البروتين والفيتامينات والمعادن.
وقد ينشأ في استعمال الكحول الشديد عوز في بعض الفيتامينات والمعادن، وبخاصّة:
- الثيامين (فيتامين B1)
- الفولات
- فيتامين B6
- المغنيزيوم
كما أنّ داء الكبد أو البنكرياس المتقدّم قد يجعل اضطراب التغذية أوضح.
هل يرفع الكحول خطر سرطان القولون؟
نعم.
فتناول الكحول مرتبط بارتفاع خطر سرطان القولون والمستقيم. ويصير الخطر أوضح خاصّةً كلّما ازداد المقدار المتناوَل.
وتؤدّي عوامل أخرى دورًا في نشوء سرطان القولون والمستقيم كالسنّ والقصّة العائلية والخصائص الوراثية والبدانة والنشاط البدني والتغذية والتدخين.
ولذلك فإنّ إنقاص تناول الكحول يعني إزالة أحد عوامل الخطر القابلة للتغيير.
بأيّ سرطانات الجهاز الهضمي الأخرى يرتبط؟
يرتبط استعمال الكحول بارتفاع خطر:
- سرطانات الفم والحلق
- سرطان المريء
- سرطان الكبد
- سرطان القولون والمستقيم
والأسيتالدهيد الناشئ في أثناء تفكّك الكحول مادّة مسرطنة.
والرسالة المهمّة من جهة خطر السرطان:
كلّما نقص تناول الكحول نقص الخطر.
وليس ثمّة مقدار من تناول الكحول ثبت أنّه بلا خطر البتّة من جهة السرطان.
هل فكرة «القليل من الكحول نافع» صحيحة؟
زُعم في الماضي أنّ تناول مقدار قليل من الكحول قد يكون واقيًا، وبخاصّة من جهة أمراض القلب والأوعية.
غير أنّ مقاربة أكثر تحفّظًا هي المعتمَدة اليوم في هذا الباب. فقد تبيّن أنّ بعض المنافع التي رُئيت في الدراسات الرصدية السابقة قد تكون ناشئة عن نمط الحياة وعوامل أخرى.
ولذلك لا يُوصى بالبدء باستعمال الكحول بقصد نيل صحّة.
ويزداد الخطر كلّما ازداد التناول، وبخاصّة من جهة السرطان.
من ينبغي أن يتجنّب الكحول تجنّبًا تامًّا؟
عدم تناول الكحول مهمّ خاصّةً عند بعض الناس.
ومنهم:
- الحوامل
- الأطفال واليافعون
- من لديهم اضطراب استعمال الكحول أو كان لديهم في الماضي
- مستعملو الأدوية المتفاعلة مع الكحول
- من سيقودون مركبة أو يشغّلون آلة
كما أنّ ترك الكحول تركًا تامًّا مهمّ خاصّةً في أمراض كالتشمّع وداء الكبد المرتبط بالكحول والتهاب البنكرياس الناجم عن الكحول.
هل ينفع ترك الكحول؟
نعم.
فترك الكحول من أهمّ أجزاء العلاج، وبخاصّة في أمراض الكبد والبنكرياس الناجمة عنه.
وعند تركه:
- قد يتراجع تشحّم الكبد
- وقد ينقص الأذى المستمرّ في الكبد
- وقد يعين على منع تكرار التهاب البنكرياس
- وقد يتباطأ تقدّم التشمّع
- وقد تتحسّن حال التغذية
- وقد ينقص خطر بعض السرطانات في الأمد البعيد
وترك الكحول ما زال ذا نفع مهمّ حتّى وإن كان داء الكبد قد تقدّم.
الرسالة المهمّة
الكحول لا يصيب الكبد وحده. بل قد يسهم في نشوء الداء في أعضاء كثيرة من الجهاز الهضمي.
وتناول الكحول المفرط المديد مرتبط بالتهاب المعدة والتهاب البنكرياس وتشحّم الكبد والتهاب الكبد المرتبط بالكحول والتشمّع وبعض سرطانات الجهاز الهضمي.
ويزداد الخطر عمومًا مع المقدار المستعمَل. وقد يرفع استعمال الكحول والتدخين معًا خاصّةً الخطرَ أكثر من جهة بعض سرطانات الجهاز الهضمي.
وترك الكحول عند من لديهم داء كبدي أو بنكرياسي ليس تدبيرًا وقائيًّا وحسب، بل هو في الغالب جزء مهمّ من العلاج.
أُعدّ هذا المحتوى للإعلام العامّ. ولمّا كانت آثار استعمال الكحول في حال المرء الصحّية قد تختلف بحسب الأمراض المرافقة والأدوية المستعملة ومقدار التناول، فينبغي أن يكون التقدير الشخصي من الطبيب.
المصادر
- أ.د. علي توزون إنجه — مراجعة 2026