أضرار التدخين على الرئة والقلب معروفة جيّدًا. غير أنّ النيكوتين والموادّ الكيميائية الضارّة الكثيرة في دخان السجائر قد تؤثّر كذلك في كلّ جزء من الجهاز الهضمي تقريبًا.
فقد يُسهّل التدخين نشوء أمراض شتّى أو تفاقمها، من الارتجاع إلى قرحة المعدة، ومن داء كرون إلى التهاب البنكرياس. كما يزيد خطر بعض سرطانات الجهاز الهضمي، ومنها سرطان المريء والمعدة والبنكرياس والقولون.
لذلك فإنّ الإقلاع عن التدخين مهمّ لا لصحّة الرئة والقلب فحسب، بل لصحّة الجهاز الهضمي أيضًا.
كيف يؤثّر التدخين في الجهاز الهضمي؟
لا تلامس موادّ دخان السجائر الفمَ والرئتين فحسب؛ فالموادّ التي تنتقل إلى الدم تنتشر في الجسم كلّه.
وقد يؤدّي التدخين إلى:
- الإخلال بآليات الدفاع الطبيعية في الجهاز الهضمي،
- تأخير التئام الأنسجة،
- التأثير سلبًا في الدورة الدموية في بعض المناطق،
- الإخلال بآليات الحماية في المعدة والمريء،
- تغيير آليات المناعة والالتهاب،
- زيادة التعرّض لبعض الموادّ المسرطنة.
وتختلف نتائج هذه التأثيرات من شخص لآخر، ويزداد الخطر عادةً بازدياد كمّية التدخين ومدّته.
التدخين والارتجاع
التدخين من العوامل التي قد تُسهّل نشوء مرض الارتجاع المعديّ المريئيّ (GERD).
ففي الطرف السفلي للمريء بنية عضلية تُسمّى المَعصَرة المريئية السفلية، تساعد على منع صعود محتوى المعدة.
وقد يؤثّر التدخين سلبًا في هذه الآلية الواقية فيُسهّل ارتجاع محتوى المعدة إلى المريء.
ونتيجةً لذلك قد تزداد شكاوى الارتجاع مثل:
- حرقة في الصدر،
- صعود سائل مرّ أو حامض إلى الفم،
- تجشّؤ،
- حرقة أو انزعاج في الحلق.
والإقلاع عن التدخين من الأجزاء المهمّة في علاج الارتجاع المتعلّقة بنمط الحياة.
التدخين ومريء باريت وسرطان المريء
قد يؤدّي الارتجاع الطويل الأمد عند بعض الأشخاص إلى تغيّر في القسم السفلي من المريء يُسمّى مريء باريت.
والتدخين مهمّ على وجه الخصوص عند من لديهم مريء باريت، وهو عامل خطر إضافيّ من جهة سرطان المريء.
ويزيد التدخين خطر نشوء سرطان الخلايا الحرشفية في المريء والسرطانة الغدّية المريئية على السواء.
لذلك فإنّ إقلاع مرضى الارتجاع أو مريء باريت عن التدخين مهمّ على وجه الخصوص.
هل يضرّ التدخين بالمعدة؟
نعم.
للمعدة آليات دفاع طبيعية تحميها من حمضها. وقد يؤثّر التدخين سلبًا في هذه الآليات فيُنقص مقاومة الغشاء المخاطي للمعدة والاثني عشر للضرر.
والتدخين مهمّ على وجه الخصوص من جهة مرض القرحة الهضمية.
فقد:
- يزيد خطر نشوء القرحة،
- يؤخّر التئامها،
- يُسهّل تكرارها،
- يزيد خطر المضاعفات المرتبطة بها.
وتزداد أهمّية آثار التدخين السلبية إذا وُجدت عوامل خطر أخرى كالإصابة بجرثومة المعدة أو استعمال مسكّنات الألم (NSAID).
هل يزيد التدخين خطر سرطان المعدة؟
نعم.
التدخين من عوامل الخطر المعروفة لسرطان المعدة.
وقد يرتبط الخطر بكمّية التدخين ومدّته. ويبدأ الخطر بالتناقص مع الوقت بعد الإقلاع.
ولا ينبغي نسيان أنّ عوامل أخرى غير التدخين تؤدّي دورًا في نشوء سرطان المعدة، كالإصابة بجرثومة المعدة والتاريخ العائلي وبعض أمراض المعدة والعادات الغذائية.
هل يؤثّر التدخين في داء كرون؟
نعم، وهذه العلاقة مهمّة على وجه الخصوص.
فقد يزيد التدخين خطر نشوء داء كرون، وقد يجعل المرض القائم يسير سيرًا أشدّ.
وعند مرضى كرون المدخّنين:
- قد يسير المرض على نحو أكثر نشاطًا،
- قد تكون الهجمات أكثر تكرارًا،
- قد تزداد الحاجة إلى الأدوية،
- قد تزداد الحاجة إلى الجراحة،
- قد يرتفع خطر عودة المرض بعد العملية.
لذلك فإنّ الإقلاع عن التدخين في داء كرون جزء مهمّ من العلاج.
هل الحال نفسها في التهاب القولون التقرّحي؟
هنا أمر طريف يُساء فهمه أحيانًا.
فالعلاقة بين التدخين والتهاب القولون التقرّحي تختلف عنها في داء كرون. فقد لوحظ في الدراسات الوبائية أنّ التدخين الفعّال يرتبط ارتباطًا عكسيًّا بنشوء التهاب القولون التقرّحي، وأنّ المرض قد يظهر عند بعض المرضى بعد الإقلاع عن التدخين.
غير أنّه لا يجوز إطلاقًا أن يُستنتج من ذلك أنّ
«على المصاب بالتهاب القولون التقرّحي أن يدخّن».
فبسبب أضرار التدخين الخطيرة الكثيرة، وفي مقدّمتها السرطان وأمراض القلب والأوعية والرئة، لا يُنصح باستعمال التدخين لعلاج التهاب القولون التقرّحي.
هل يؤثّر التدخين في البنكرياس؟
نعم.
التدخين عامل خطر مهمّ من جهة أمراض البنكرياس أيضًا.
وهو مرتبط خصوصًا بـ:
- التهاب البنكرياس الحادّ،
- التهاب البنكرياس المزمن،
- سرطان البنكرياس.
وقد يزيد اجتماع التدخين والكحول الخطرَ زيادةً أكبر، خصوصًا من جهة التهاب البنكرياس المزمن.
واستمرار من لديه التهاب بنكرياس مزمن في التدخين قد يُسهّل تقدّم المرض ونشوء المضاعفات.
هل يزيد التدخين خطر سرطان البنكرياس؟
نعم. التدخين من أهمّ عوامل الخطر القابلة للتعديل في سرطان البنكرياس.
ويُعتقد أنّ جزءًا من حالات سرطان البنكرياس مرتبط بالتدخين.
وقد يزداد الخطر بمدّة التدخين وكمّيته، ويبدأ بالتناقص مع الوقت بعد الإقلاع.
لذلك من المهمّ ألّا يدخّن من لديهم التهاب بنكرياس مزمن أو عوامل خطر أخرى من جهة أمراض البنكرياس.
هل يؤثّر التدخين في الكبد؟
ليس التدخين عادةً أوّل ما يخطر بالبال سببًا لأمراض الكبد، غير أنّ له آثارًا سلبية في الكبد أيضًا.
فقد:
- يزيد الإجهاد التأكسدي،
- يؤثّر في الالتهاب في الكبد،
- يُسهم في نشوء التليّف،
- يؤثّر سلبًا في سير بعض أمراض الكبد المزمنة.
وتزداد أهمّية الخطر الإضافي الناجم عن التدخين خصوصًا عند من لديهم مرض كبديّ آخر.
هل يزيد التدخين خطر سرطان الكبد؟
نعم.
يرتبط التدخين بازدياد خطر سرطانة الخلايا الكبدية (سرطان الكبد).
وعند من لديهم عوامل خطر أخرى كالتهاب الكبد B أو C أو التشمّع أو الإفراط في الكحول، قد تزيد إضافةُ التدخين الخطرَ الإجمالي زيادةً أكبر.
هل التدخين مرتبط بسرطان القولون؟
نعم.
يرتبط التدخين الطويل الأمد بازدياد خطر الأورام الغدّية القولونية المستقيمية (السلائل) وسرطان القولون والمستقيم.
وتؤدّي عوامل كثيرة دورًا في نشوء سرطان القولون: العمر والتاريخ العائلي والخصائص الوراثية والوزن والنشاط البدني والتغذية. والتدخين من بينها عامل خطر قابل للتعديل.
ولذلك فإنّ الإقلاع عن التدخين لا يُغني عن المسح المنتظم لسرطان القولون والمستقيم في العمر وفئة الخطر المناسبين؛ بل كلاهما مهمّ.
هل يزيد التدخين سرطانات الجهاز الهضمي؟
لا يرتبط التدخين بسرطان الرئة وحده.
فهو مرتبط بازدياد خطر:
- سرطانات الفم والحلق،
- سرطان المريء،
- سرطان المعدة،
- سرطان البنكرياس،
- سرطان الكبد،
- سرطان القولون والمستقيم.
وتختلف درجة الخطر بحسب العضو ومدّة التدخين وكمّيته وسائر عوامل الخطر عند الشخص.
هل السجائر الإلكترونية أكثر أمانًا؟
لا يمكن القول إنّ السجائر الإلكترونية غير ضارّة بالجهاز الهضمي.
فقد تؤدّي إلى التعرّض للنيكوتين ولموادّ كيميائية مختلفة. ومع أنّ آثار السجائر التقليدية الطويلة الأمد في الجهاز الهضمي معروفة معرفةً أفضل بكثير، فإنّ المعلومات عن آثار السجائر الإلكترونية الطويلة الأمد في الجهاز الهضمي لا تزال في طور التكوّن.
لذلك فإنّ القول «السجائر الإلكترونية آمنة للجهاز الهضمي» ليس صحيحًا.
ماذا يحدث عند الإقلاع عن التدخين؟
فائدة الإقلاع ليست اتّقاء أمراض قد تظهر في المستقبل فحسب.
فبعد الإقلاع قد يحدث مع الوقت:
- نقص في شكاوى الارتجاع،
- تسهيل التئام القرحة،
- تحسّن في سير داء كرون،
- نقص في خطر الضرر الإضافي في البنكرياس وسائر الأعضاء،
- انخفاض مع الوقت في خطر جزء من سرطانات الجهاز الهضمي.
ومهما طالت مدّة التدخين، فللإقلاع فائدة صحّية.
رسالة مهمّة
قد يؤثّر التدخين لا في الرئتين فحسب، بل في كلّ جزء من الجهاز الهضمي تقريبًا.
فقد يزيد في المريء خطر الارتجاع والسرطان؛ وقد يؤثّر سلبًا في مرض القرحة في المعدة والاثني عشر؛ وقد يجعل داء كرون يسير سيرًا أشدّ؛ وهو مرتبط بالتهاب البنكرياس، وقد يزيد خطر سرطانات شتّى، منها سرطان البنكرياس والمعدة والمريء والكبد والقولون.
وعند من لديهم مرض هضميّ مزمن خصوصًا، يكون الإقلاع عن التدخين، إلى جانب العلاج الطبّي المطبَّق، من أهمّ ما يستطيع المريض تغييره من أجل صحّته.
ولا يوجد مستوى آمن للتدخين.
أُعِدّ هذا المحتوى لغرض التوعية العامّة. ويجب أن يُخطّط الطبيب لتقييم وعلاج من لديهم شكاوى هضمية أو مرض هضميّ مزمن تخطيطًا فرديًّا.
المصادر
- أ. د. علي توزون إنجه — مراجعة 2026