ما سوء الامتصاص؟
سوء الامتصاص حال لا تُهضَم فيها الموادّ التي نأخذها مع الأغذية هضمًا كافيًا في الجهاز الهضمي، أو لا تُمتَصّ من الأمعاء إلى الجسم امتصاصًا كافيًا. ويُسمّى كذلك اضطراب الامتصاص.
فلكي يستطيع جسمنا الانتفاع بما نأكله يلزم أوّلًا تفكيكه إلى أجزاء أصغر، ثمّ امتصاصه من الأمعاء ومروره إلى الدم أو الدوران اللمفي. ويجري القسم الأكبر من هذا في الأمعاء الدقيقة.
وفي سوء الامتصاص قد تختلّ أيّ مرحلة من هذا المسار. وينتهي الأمر إلى عدم كفاية امتصاص:
- السكّريات
- الدهون
- البروتينات
- المعادن كالحديد والكلسيوم والمغنيزيوم
- الفيتامينات كـ B12 والفولات
- الفيتامينات الذوّابة في الدهن كـ A وD وE وK
ولا يختلّ امتصاص الأغذية كلّها عند كلّ مريض بسوء الامتصاص. فقد يتأثّر امتصاص مادّة غذائية معيّنة وحدها في بعض الأمراض، وقد يختلّ امتصاص موادّ غذائية كثيرة معًا في بعضها.
كيف يجري امتصاص الأغذية السويّ؟
امتصاص الأغذية مسار منظّم يجري على مراحل.
فأوّلًا تعين الإنزيمات المفرَزة من المعدة والبنكرياس والأمعاء الدقيقة على تفكيك الأغذية. والصفراء المنتَجة في الكبد مهمّة خاصّةً في هضم الدهون وامتصاصها.
ثمّ تُمتَصّ الموادّ الغذائية المفكَّكة من السطح الداخلي للأمعاء الدقيقة. وتزيد النتوءات الصغيرة الكثيرة العدد على سطح الأمعاء الدقيقة المسمّاة الزغابات مساحةَ السطح القابل للامتصاص زيادةً كبيرة.
ويمرّ القسم الأكبر من الأغذية الممتصّة إلى دوران الدم، بينما تمرّ بعض الدهون إلى الجهاز اللمفي أوّلًا.
وعليه فإنّ الامتصاص السليم يستلزم عمل المعدة والبنكرياس وجهاز الكبد والصفراء والأمعاء الدقيقة ودورانها عملًا متناسقًا.
لماذا يحدث سوء الامتصاص؟
سوء الامتصاص ليس داءً قائمًا بذاته. بل حال سريرية قد تنشأ نتيجة أمراض مختلفة كثيرة.
ويمكن تقدير أسبابه في بضع مجموعات رئيسة.
1. عدم كفاية هضم الأغذية
قد يختلّ الامتصاص إن لم تُفكَّك الأغذية كفايةً، حتّى وإن كانت طاقة الأمعاء على الامتصاص سويّة.
فمثلًا في قصور البنكرياس الإفرازي الذي لا ينتج فيه البنكرياس إنزيمات هاضمة كافية، قد يختلّ هضم الدهون وامتصاصها خاصّةً.
وكذلك قد يتأثّر امتصاص الدهون في بعض الأمراض التي يختلّ فيها إنتاج الصفراء أو جريانها اختلالًا خطيرًا.
2. مرض سطح الأمعاء الدقيقة
السطح الداخلي للأمعاء الدقيقة هو الموضع الأساس لامتصاص الأغذية. وقد ينقص تأذّيه طاقة الامتصاص.
ومن أشهر أمثلة ذلك الداء الزلاقي. فالاستجابة المناعية المرتبطة بالغلوتين فيه قد تخلّ ببنية الأمعاء الدقيقة فتنقص امتصاص الأغذية.
وقد يسبّب داء كرون وبعض الإنتانات وبعض أمراض الأمعاء الدقيقة الأندر اضطرابَ الامتصاص كذلك.
3. اضطرابات امتصاص أو هضم أغذية معيّنة
لا يصيب سوء الامتصاص الأغذية كلّها دائمًا.
فمثلًا في سوء امتصاص اللاكتوز تكون فعّالية إنزيم اللاكتاز الذي يتيح هضم اللاكتوز الموجود في الحليب ومنتجاته غير كافية.
فيبلغ اللاكتوز غير الممتصّ القولون فتفكّكه الجراثيم هناك. وينشأ عن ذلك خاصّةً بعد تناول الحليب أو منتجاته غازات وانتفاخ وألم بطني وإسهال.
وكذلك قد تؤدّي مشكلات امتصاص الفركتوز وبعض السكّريات الأخرى إلى شكاوى هضمية.
4. فرط النموّ الجرثومي في الأمعاء الدقيقة
توجد في الأمعاء الدقيقة في الحال السويّة جراثيم بمقدار محدود. وقد يزداد مقدارها عند بعض الناس إثر تباطؤ حركات الأمعاء أو تبدّلات في بنيتها أو عمليات سابقة.
وتُسمّى هذه الحال فرط النموّ الجرثومي في الأمعاء الدقيقة (SIBO).
وقد تستهلك الجراثيم الزائدة بعض الموادّ الغذائية، وتخلّ بوظيفة الأحماض الصفراوية، وتؤثّر خاصّةً في امتصاص الدهون وفيتامين B12.
وقد تُشاهَد غازات وانتفاخ وانزعاج في البطن وإسهال.
5. استئصال قسم من الأمعاء الدقيقة جراحيًّا
يلزم للامتصاص وجود سطح معوي كافٍ.
فقد ينقص سطح الامتصاص عند استئصال قسم مهمّ من الأمعاء الدقيقة جراحيًّا بسبب داء كرون أو أمراض أوعية الأمعاء أو الأورام أو غيرها.
ويهمّ مقدار المستأصَل من الأمعاء وأيّ قسم منها خاصّةً. وقد تنشأ متلازمة الأمعاء القصيرة بعد استئصالات الأمعاء الواسعة جدًّا.
6. أمراض اللفائفي
يُسمّى القسم الأخير من الأمعاء الدقيقة اللفائفي. وهو مهمّ خاصّةً في امتصاص فيتامين B12 والأحماض الصفراوية.
وقد يؤدّي داء كرون المصيب للّفائفي النهائي أو استئصال هذا الموضع جراحيًّا إلى عوز فيتامين B12 واضطراب امتصاص الأحماض الصفراوية.
وقد يسبّب بلوغ الأحماض الصفراوية القولون بمقدار كبير إسهالًا مائيًّا عند بعض المرضى.
ما أعراض سوء الامتصاص؟
تختلف الأعراض بحسب سبب اضطراب الامتصاص ومدّته وأيّ الموادّ الغذائية لم يُمتَصّ.
وأكثر الشكاوى مشاهدةً:
- إسهال مديد أو متكرّر
- انتفاخ في البطن
- غازات مفرطة
- ألم أو انزعاج في البطن
- نقص وزن
- تعذّر زيادة الوزن مع كون الشهية سويّة
- وهن وتعب سريع
- فقر دم
- عوز الفيتامينات والمعادن
غير أنّه لا يلزم وجود الإسهال عند كلّ مريض بسوء الامتصاص. وقد يُتبيَّن الداء أوّل ما يُتبيَّن أحيانًا بمشكلة خارج الأمعاء كعوز الحديد أو عوز B12 أو نقص كثافة العظم.
ما التبرّز الدهني (الإسهال الدهني)؟
قد يُطرَح مع البراز دهن أكثر من السويّ في الحالات التي لا تُهضَم فيها الدهون أو لا تُمتَصّ كفايةً. ويُسمّى ذلك الإسهال الدهني.
وقد يكون البراز:
- أكثر حجمًا من السويّ
- فاتح اللون
- دهنيًّا أو لمّاعًا
- كريه الرائحة
- لاصقًا بالمرحاض أو عسير التنظيف
وقد يُشاهَد الإسهال الدهني الواضح خاصّةً في قصور إنزيمات البنكرياس وبعض أمراض الأمعاء الدقيقة والمشكلات المتعلّقة بالصفراء.
لماذا يهمّ عوز الفيتامينات والمعادن؟
سوء الامتصاص ليس إسهالًا وغازات وحسب. فقد يؤدّي إن طال إلى عوز الفيتامينات والمعادن التي يحتاجها الجسم.
فـعوز الحديد قد يُحدث فقر دم ووهنًا.
وعوز B12 والفولات قد يسبّب فقر دم؛ وقد تنشأ شكاوى متعلّقة بالجهاز العصبي خاصّةً إن طال عوز B12.
وعوز فيتامين D والكلسيوم قد يسهم في ضعف العظام وارتفاع خطر تخلخل العظام.
وفيتامينات A وD وE وK ذوّابة في الدهن. ولذلك قد يُشاهَد عوزها في سوء امتصاص الدهون الخطير المديد.
أمّا عند بعض المرضى الذين اختلّ امتصاص البروتين لديهم اختلالًا خطيرًا فقد تنخفض مستويات البروتين في الدم وتنشأ وذمة خاصّةً في الساقين.
كيف يُشخَّص؟
ليس من الصواب إجراء الفحوص نفسها لكلّ مريض يُشتبَه في سوء الامتصاص لديه.
وأهمّ ما في التشخيص تحديد أيّ الأغذية لم يُمتَصّ وتحديد سبب ذلك.
فتُقدَّر شكاوى المريض وتبدّلات وزنه وعادات تغذيته وعملياته السابقة والأدوية التي يستعملها وأمراضه القائمة.
ويمكن عند المرضى المحتاجين استعمال:
- تعداد الدم الكامل
- الحديد والفيريتين
- فيتامين B12 والفولات
- فيتامين D
- الكلسيوم وسائر المعادن
- الألبومين وسائر تحاليل الدم
- فحوص الداء الزلاقي
- فحوص البراز
- تقدير الدهن في البراز
- الإيلاستاز في البراز عند الظنّ بقصور البنكرياس
- فحوص النفَس عند الظنّ بسوء امتصاص اللاكتوز أو بفرط النموّ الجرثومي
- التنظير وخزعة الأمعاء الدقيقة عند اللزوم
- التصوير بالأمواج فوق الصوتية أو الطبقي المحوسب أو الرنين المغناطيسي أو غيرها
ويُقرَّر أيّ الفحوص لازم بحسب الخصائص السريرية للمريض.
هل التنظير لازم؟
لا يلزم إجراء تنظير لكلّ مريض بسوء الامتصاص.
غير أنّه قد يلزم أخذ خزعات من الاثني عشر في أثناء تنظير الجهاز الهضمي العلوي إن كان ثمّة اشتباه في الداء الزلاقي أو في داء آخر يصيب مخاطية الأمعاء الدقيقة.
أمّا عند الاشتباه في داء كرون فيمكن الانتفاع بحسب خصائص المريض بأساليب كتنظير القولون وتقدير اللفائفي النهائي وتصوير الأمعاء بالرنين أو الطبقي أو التنظير بالكبسولة.
كيف يُعالَج؟
ليس ثمّة علاج واحد يمكن تطبيقه على الجميع.
والمقصود الأساس من العلاج إيجاد سبب اضطراب الامتصاص وعلاج هذا السبب.
فمثلًا قد يلزم:
- في الداء الزلاقي تغذية خالية من الغلوتين ملائمة
- وفي قصور إنزيمات البنكرياس تعويض إنزيمات البنكرياس عند المرضى المحتاجين
- وفي فرط النموّ الجرثومي علاج موجَّه إلى السبب عند المرضى المناسبين
- وفي سوء امتصاص اللاكتوز تسوية التغذية بحسب تحمّل المرء
- وفي داء كرون ضبط الداء
- وفي عوز الفيتامينات والمعادن تعويض الموادّ الناقصة
ولمّا كانت علاجات هذه الأمراض مختلفة اختلافًا كبيرًا، فإنّ قول «يوجد سوء امتصاص» وحده لا يكفي.
كيف تكون التغذية في سوء الامتصاص؟
ليس ثمّة حمية واحدة تصلح لكلّ من لديه سوء امتصاص.
وليس من الصواب أن يُخرج المرضى أطعمة كثيرة من غذائهم من تلقاء أنفسهم. فالحميات المفرطة في التقييد بلا داعٍ قد تزيد الحال سوءًا عند من هم في خطر نقص التغذية أصلًا.
وينبغي أن يُحدَّد نظام التغذية بحسب سبب سوء الامتصاص وأيّ الموادّ الغذائية لم يُمتَصّ.
متى تجب مراجعة الطبيب؟
قد يلزم التقدير من جهة سوء الامتصاص خاصّةً في حالات مثل:
- الإسهال المديد أو المتكرّر
- نقص الوزن غير المفسَّر
- التبرّز الدهني الكريه الرائحة
- الغازات والانتفاخ المستمرّين
- عوز الحديد أو فقر الدم المتكرّر
- عوز B12 أو الفولات أو فيتامين D
- تخلخل العظام غير المفسَّر
- تعذّر زيادة الوزن مع كون التغذية كافية
وينبغي ألّا يتأخّر التقدير عند وجود موجودات كنقص الوزن أو فقر الدم الخطير أو الدم في البراز أو الإسهال الموقظ من النوم ليلًا أو اضطراب التغذية الواضح.
لا تنسَ
سوء الامتصاص ليس داءً قائمًا بذاته، بل اضطراب امتصاص قد ينشأ نتيجة أمراض مختلفة.
فقد يتأثّر أحيانًا هضم غذاء معيّن وامتصاصه كاللاكتوز وحده، وقد يختلّ أحيانًا امتصاص فيتامينات ومعادن ودهون وبروتينات وسكّريات كثيرة معًا.
ولذلك فإنّ الخطوة الأولى في العلاج ليست وضع تقييدات غذائية لا داعي لها، بل تحديد ما أدّى إلى سوء الامتصاص.
المصادر
- أ.د. علي توزون إنجه — مراجعة 2026