التهاب القولون التقرّحي داء أمعاء التهابي مزمن يصيب السطح الداخلي للقولون والمستقيم.
ويبدأ الداء عادةً من المستقيم، وينتشر عند بعض المرضى إلى الأقسام الأعلى من القولون انتشارًا متّصلًا دون انقطاع. وقد ينحصر في المستقيم وحده، وقد يصيب القولون كلّه.
وتُسمّى الفترات التي يشتدّ فيها الداء هجمة، وتُسمّى الفترات التي تخفّ فيها الشكاوى خفّةً بيّنة أو تزول هدأة.
والتهاب القولون التقرّحي ليس معديًا وليس سرطانًا. غير أنّ خطر سرطان القولون قد يرتفع في الداء المديد الواسع، ولذلك تهمّ المتابعة المنتظمة.
لماذا يحدث التهاب القولون التقرّحي؟
السبب الدقيق للداء غير معروف.
ويُعتقَد أنّ الجهاز المناعي عند من لديهم استعداد وراثي يُنشئ استجابة التهابية غير ملائمة ودائمة تجاه السطح الداخلي للأمعاء.
وقد تشترك في نشوء الداء:
- الاستعداد الوراثي
- اختلالات الجهاز المناعي
- تبدّلات جرثومة الأمعاء
- العوامل البيئية
ولا ينتقل التهاب القولون التقرّحي من شخص إلى آخر، وليس داءً ينشأ عن عادات التغذية وحدها.
أيّ أقسام الأمعاء يصيب؟
يختلف امتداد الداء من شخص إلى آخر.
التهاب المستقيم
ينحصر الداء في المستقيم وحده.
التهاب القولون الأيسر
يبدأ الالتهاب من المستقيم ويمتدّ نحو الجهة اليسرى من القولون.
التهاب القولون الواسع
يصيب الداء قسمًا أوسع من القولون.
التهاب القولون الشامل
أُصيب القسم الأكبر من القولون أو القولون كلّه.
ويهمّ امتداد الداء في تحديد خطّة العلاج والمتابعة.
ما أعراضه؟
قد تختلف الأعراض بحسب امتداد الداء وشدّته.
وأكثر الشكاوى مشاهدةً:
- تبرّز متكرّر وإسهال
- دم في البراز
- مخاط في البراز
- نزف من الشرج
- حاجة مفاجئة ملحّة إلى التبرّز
- عسر بلوغ المرحاض في الوقت المناسب
- شعور بعدم كفاية التبرّز مع بقاء الرغبة فيه (زحير)
- ألم بطني ومغص
- وهن وتعب
- فقدان الشهية
- نقص الوزن
وقد تُشاهَد في الهجمات الأشدّ حمّى وفقر دم وخفقان واعتلال الحال العامّة.
هل يصيب الأمعاء وحدها؟
لا. فقد تظهر عند بعض المرضى موجودات في أعضاء خارج الأمعاء.
ومن ذلك:
- آلام المفاصل أو التهابها
- بعض الأمراض الجلدية
- التهاب في العين
- قرحات الفم
- التهاب الأقنية الصفراوية المصلّب الأوّلي (PSC) المصيب للطرق الصفراوية
ولذلك يُعَدّ التهاب القولون التقرّحي عند بعض المرضى داءً جهازيًّا لا ينحصر في الأمعاء.
كيف يُشخَّص؟
لا يمكن تشخيص التهاب القولون التقرّحي بتحليل دم أو براز وحده.
بل تُقيَّم في التشخيص معًا شكاوى المريض والفحص السريري والتحاليل المخبرية وتحاليل البراز والموجودات التنظيرية.
تحاليل الدم
قد يعين تعداد الدم وCRP وسائر الفحوص على تقدير شدّة الالتهاب وفقر الدم وحالة التغذية.
فحوص البراز
تهمّ تحاليل البراز خاصّةً في نفي الإنتانات المعوية.
وقد يعين الكالبروتكتين البرازي على تقدير الالتهاب في الأمعاء وعلى متابعة التهاب القولون التقرّحي المعروف.
تنظير القولون والخزعة
من أهمّ أساليب التشخيص.
ويُقيَّم في أثناء تنظير القولون السطح الداخلي للقولون وتُؤخَذ خزعات من المواضع اللازمة. ويعين الفحص المرضي للخزعات على تأكيد التشخيص وتمييزه من سائر أسباب التهاب القولون.
أمّا في التهاب القولون الحادّ الشديد فقد يُفضَّل بحسب حال المريض فحص تنظيري أضيق بدل تنظير القولون الكامل.
كيف يُعالَج؟
أهداف العلاج:
- ضبط الالتهاب الفعّال
- تخفيف النزف والإسهال
- بلوغ الهدأة
- إدامة الهدأة
- منع الهجمات الجديدة
- تقليل المضاعفات
- حفظ جودة حياة المريض
ويُخطَّط العلاج على نحو خاصّ بكلّ مريض بحسب شدّة الداء وامتداده والاستجابة للعلاجات السابقة.
علاج 5-ASA (الميسالازين)
من العلاجات الأساسية الكثيرة الاستعمال في التهاب القولون التقرّحي الخفيف والمتوسّط.
ويمكن استعمال الميسالازين فمويًّا على شكل أقراص، كما يمكن تطبيقه شرجيًّا على شكل تحاميل أو حقن شرجية بحسب موضع الداء.
وقد يكون الجمع بين العلاج الفموي والشرجي أنجع عند بعض المرضى ذوي إصابة المستقيم والقولون الأيسر خاصّةً.
الستيرويدات القشرية
يمكن استعمالها في ضبط الهجمات المتوسّطة أو الشديدة.
ولا تُستعمل الستيرويدات القشرية في الغالب لعلاج الإدامة الطويل. والمقصود بعد ضبط هجمة الداء إزالة الحاجة إلى الستيرويد.
الأدوية المعدّلة للمناعة والعلاجات المتقدّمة
يمكن بحسب شدّة الداء والاستجابة للعلاجات السابقة استعمال أدوية تنظّم الجهاز المناعي.
ويمكن اليوم عند المرضى المناسبين استعمال:
- العلاجات البيولوجية
- أدوية الجزيئات الصغيرة
- سائر العلاجات الموجَّهة
وينبغي تقدير العلاج المختار لكلّ مريض على حدة.
متى يلزم العلاج الجراحي؟
قد يلزم استئصال القولون جراحيًّا عند بعض المرضى الذين لم يُضبَط داؤهم بالعلاج الدوائي أو حدثت لديهم مضاعفات خطيرة.
ويُطرَح العلاج الجراحي خاصّةً في حالات:
- الداء الشديد المقاوم للعلاج
- النزف الشديد غير المنضبط
- تضخّم القولون السمّي
- انثقاب الأمعاء
- السرطان
- اكتشاف بعض التبدّلات السابقة للسرطان (خلل التنسّج) العالية الخطر
ويُقدَّر قرار الجراحة على نحو خاصّ بالمريض من فريقَي أمراض الجهاز الهضمي وجراحة القولون والمستقيم.
كيف تكون التغذية في التهاب القولون التقرّحي؟
لا توجد حمية واحدة خاصّة ثبت أنّها تزيل التهاب القولون التقرّحي تمامًا.
والمهمّ عمومًا تغذية كافية متوازنة. وتختلف الأطعمة التي لا يحتملها المريض من شخص إلى آخر.
وينبغي في أدوار الهجمة الانتباه إلى فقد السوائل والشوارد بسبب كثرة الإسهال. وقد تُعاد تسوية التغذية موقّتًا بحسب حال المريض.
وينبغي عند اللزوم البحث عن عوز الحديد وفيتامين B12 والفولات وفيتامين D وسائر العناصر الغذائية وتعويضها.
وينبغي تجنّب الحميات المفرطة في التقييد بلا داعٍ.
هل يزول الداء تمامًا؟
التهاب القولون التقرّحي داء مزمن السير في الغالب. ومع أنّ العلاج الدوائي لا يزيله تمامًا، فإنّه يتيح بلوغ هدأة طويلة الأمد.
وقد يستمرّ الالتهاب في الأمعاء حتّى وإن شعر المريض بأنّه في تمام العافية. ولذلك يهمّ ألّا يُكتفى بتناقص الشكاوى، بل تُضبَط فعّالية الداء عند اللزوم بالتحاليل المخبرية وتحاليل البراز والتقييم التنظيري.
وقد يؤدّي قطع الأدوية دون مشورة الطبيب إلى هجمة.
هل يرتفع خطر سرطان القولون؟
قد يرتفع خطر سرطان القولون والمستقيم في التهاب القولون التقرّحي المديد المصيب لقسم واسع من القولون.
ويتأثّر الخطر بعوامل مثل:
- مدّة الداء
- سعة الإصابة في القولون
- شدّة الالتهاب
- وجود قصّة سرطان قولون ومستقيم في العائلة
- وجود التهاب الأقنية الصفراوية المصلّب الأوّلي
ولذلك تلزم بعد مدّة معيّنة من الداء رقابة تنظيرية منتظمة للسرطان. وتُحدَّد مدد إجراء تنظير القولون بحسب الخطر الفردي للمريض.
ما علامات الهجمة؟
ازدياد عدد مرّات التبرّز، ورؤية دم في البراز، وازدياد الحاجة الملحّة إلى التبرّز، والتبرّز ليلًا، والألم البطني، واعتلال الحال العامّة قد تدلّ على أنّ الداء عاد فعّالًا.
والأولى في هذه الحال أن يراجع المريض طبيبه بدل أن يغيّر جرعة دوائه بنفسه.
متى تجب مراجعة المستشفى على وجه السرعة؟
قد تكون العلامات الآتية إشارة إلى هجمة خطيرة أو مضاعفة:
- نزف كثير أو متزايد
- إسهال مدمّى شديد التكرار
- ألم بطني شديد أو متزايد
- انتفاخ واضح في البطن
- حمّى عالية
- قياء مستمرّ
- إغماء أو وهن واضح
- خفقان وتدهور سريع في الحال العامّة
- انقطاع خروج الغازات أو البراز
ويلزم في هذه الحالات تقييم طبّي دون تأخير.
هل تمكن حياة طبيعية مع التهاب القولون التقرّحي؟
نعم.
توجد اليوم خيارات كثيرة ناجعة في علاج التهاب القولون التقرّحي. ويمكن عند قسم كبير من المرضى بلوغ هدأة طويلة الأمد بالعلاج الملائم والمتابعة المنتظمة، وعيش حياة طبيعية أو قريبة من الطبيعية.
ويهمّ في نجاح العلاج أن يستعمل المريض أدويته بانتظام، وألّا يهمل مراجعاته، وأن يراجع طبيبه عند ظهور أعراض جديدة.
لا تنسَ
التهاب القولون التقرّحي داء مزمن، غير أنّه قابل للعلاج والضبط.
والهدف الأساس من العلاج ليس تخفيف الإسهال والنزف وحدهما، بل ضبط الالتهاب في الأمعاء وبلوغ هدأة دائمة ومنع المضاعفات البعيدة.
المصادر
- أ.د. علي توزون إنجه