ما الورم العصبي الصمّاوي في البنكرياس؟
أورام البنكرياس العصبية الصمّاء أورام نادرة نسبيًّا تنشأ من الخلايا العصبية الصمّاء القادرة على إنتاج الهرمونات في البنكرياس.
وهي زمرة أمراض مختلفة عن السرطانة الغدّية القنويّة، وهي أكثر سرطانات البنكرياس مشاهدةً.
وهذا التمييز مهمّ لأنّ هذه الأورام قد تختلف عن سرطان البنكرياس التقليدي في:
- سرعة النموّ
- الأعراض
- خصائص التصوير
- العلاجات
- سير الداء
فبعضها ينمو ببطء شديد سنين طوالًا، وبعضها يسلك سلوكًا أسرع وأشدّ عدوانًا. ولذلك فإنّ تشخيص «ورم عصبي صمّاوي في البنكرياس» وحده لا يُظهر كيف سيسير الداء.
هل هي كثيرة المشاهدة؟
لا. فأورام البنكرياس العصبية الصمّاء تشكّل قسمًا صغيرًا من أورام البنكرياس.
غير أنّه يُكشَف اليوم منها، وبخاصّة الصغيرة غير المُحدثة للأعراض، أكثر ممّا كان في الماضي، وذلك لكثرة استعمال أساليب التصوير كالطبقي المحوسب والرنين والتصوير بالأمواج فوق الصوتية التنظيري.
وقد يُعثَر على بعضها مصادفةً في أثناء تصوير أُجري لسبب آخر.
ما معنى الورم العامل وغير العامل؟
يمكن تقسيم هذه الأورام سريريًّا إلى مجموعتين رئيستين.
الورم العامل
هو الورم المفرِز للهرمون بمقدار يُحدث أعراضًا في الجسم.
وقد يؤدّي إلى أعراض واضحة بسبب الهرمون الذي ينتجه، حتّى وإن كان صغيرًا.
الورم غير العامل
هو الورم الذي لا يؤدّي إلى متلازمة فرط هرموني واضحة.
وقسم مهمّ من هذه الأورام غير عامل.
ولمّا كانت لا تُحدث أعراضًا هرمونية فقد تُكشَف مصادفةً أحيانًا، أو تُتبيَّن حين تكبر فتضغط على البنى المجاورة.
ما الورم الإنسوليني؟
الورم الإنسوليني ورم عصبي صمّاوي عامل يفرز الإنسولين بمقدار كبير.
وقد يؤدّي فرط الإنسولين إلى انخفاض سكّر الدم، أي إلى نقص سكّر الدم.
وقد يُشاهَد عند المريض خاصّةً في أثناء الجوع:
- تعرّق
- رعشة
- خفقان
- شعور شديد بالجوع
- دوار
- اضطراب الانتباه
- تبدّلات السلوك
- تغيّم الوعي
وقد يكون زوال الشكاوى بعد الأكل أو أخذ السكّر قرينةً مهمّة.
وقسم كبير من الأورام الإنسولينية صغير الحجم.
ما الورم الغاستريني؟
الورم الغاستريني ورم عصبي صمّاوي يفرز هرمون الغاسترين بمقدار مفرط.
وقد يزيد فرط الغاسترين إنتاج حمض المعدة زيادةً واضحة.
وينشأ عن ذلك:
- قرح متكرّرة أو مقاومة في المعدة والاثني عشر
- ألم بطني
- جزر
- إسهال
وتُسمّى هذه الصورة متلازمة زولينجر-إليسون.
والأورام الغاسترينية قد تنشأ لا في البنكرياس وحده بل في الاثني عشر أيضًا.
ما سائر الأورام المنتجة للهرمونات؟
من الأندر:
الورم الغلوكاغوني: يفرز الغلوكاغون؛ وقد يُشاهَد سكّري ونقص وزن وآفات جلدية مميّزة.
ورم VIP: قد ينشأ عن فرط إفراز هرمون VIP إسهال مائي كثير واضطرابات في الشوارد.
الورم السوماتوستاتيني: قد يؤدّي إلى أعراض كالسكّري والإسهال والتبرّز الدهني وحصيات المرارة.
وهذه أورام نادرة جدًّا.
ما الأعراض التي قد يُحدثها؟
تختلف الأعراض بحسب كون الورم مفرِزًا للهرمون أو غير مفرِز.
ففي الأورام غير العاملة قد يُشاهَد:
- ألم بطني
- ألم منتشر إلى الظهر
- نقص وزن
- فقدان شهية
- غثيان
وقد تضغط الأورام الكبيرة على الطرق الصفراوية أو غيرها من البنى.
غير أنّ قسمًا مهمًّا من الأورام الصغيرة قد لا يُحدث أيّ عرَض.
أمّا في الأورام العاملة فتتقدّم الأعراض الناجمة عن الهرمون الذي يفرزه الورم.
هل هو سرطان؟
جواب هذا السؤال أعقد قليلًا من التمييز التقليدي بين «السليم والخبيث».
فالسلوك الحيوي لأورام البنكرياس العصبية الصمّاء شديد الاختلاف بينها.
فبعضها ينمو ببطء شديد وقد يبقى محدودًا سنين طوالًا. وبعضها قد ينتشر إلى الأنسجة المجاورة أو إلى أعضاء أخرى.
ولذلك يُقدَّر معًا عند تقدير هذه الأورام لا اسمُ الورم وحده، بل:
حجمه + درجته + قيمة Ki-67 + خاصّية التمايز + امتداده
ما معنى الدرجة؟
تعين الدرجة على تقدير سرعة تكاثر خلايا الورم وسلوكه الحيوي.
ويُراعى في الفحص المرضي خاصّةً مؤشّر التكاثر Ki-67 وفعّالية انقسام الخلايا.
وتُدرَّج الأورام العصبية الصمّاء الجيّدة التمايز عمومًا إلى G1 وG2 وG3.
وترتبط فعّالية التكاثر الأعلى عادةً بسلوك حيوي أسرع.
هل السرطانة العصبية الصمّاء الشيء نفسه؟
لا.
وهذا التمييز بالغ الأهمّية.
فالورم العصبي الصمّاوي البنكرياسي الجيّد التمايز والسرطانة العصبية الصمّاء الرديئة التمايز ليسا داءً واحدًا.
فالسرطانات العصبية الصمّاء أورام أسرع نموًّا عادةً وتستلزم علاجًا مختلفًا.
ولذلك يهمّ التمايز والدرجة في تقرير الفحص المرضي في تخطيط العلاج.
كيف يُشخَّص؟
قد تُستعمَل أساليب مختلفة في التشخيص بحسب أعراض المريض.
وأهمّ الفحوص:
- تحاليل الدم
- قياسات الهرمونات
- الطبقي المحوسب
- الرنين المغناطيسي
- التصوير بالأمواج فوق الصوتية التنظيري
- الخزعة عند اللزوم
وعند الظنّ بورم عامل قد تُجرى تحاليل دم خاصّة موجَّهة إلى الهرمون المشتبه فيه.
لماذا يهمّ التصوير بالأمواج فوق الصوتية التنظيري؟
يتيح هذا الأسلوب فحص البنكرياس من مسافة قريبة جدًّا من المعدة والاثني عشر بتحليل عالٍ.
وقد يكون نافعًا جدًّا خاصّةً في كشف أورام البنكرياس العصبية الصمّاء الصغيرة.
ويمكن في أثنائه عند اللزوم أخذ عيّنة نسيجية من الورم بإبرة.
ويمكن بالفحص المرضي الحصول على معلومات عن أصل الورم العصبي الصمّاوي وخصائص تكاثره.
هل يمكن إجراء تصوير خاصّ بالإصدار البوزيتروني؟
نعم.
فعلى سطح قسم كبير من الأورام العصبية الصمّاء الجيّدة التمايز مستقبلات للسوماتوستاتين.
ويُنتفَع بهذه الخاصّة في إجراء تصوير خاصّ في الطبّ النووي يُظهر مستقبلات السوماتوستاتين.
والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني لمستقبلات السوماتوستاتين اليوم بالغ القيمة في تحديد امتداد الورم في الجسم عند المرضى المناسبين.
وقد يعين هذا الفحص كذلك على تقدير الأهلية لبعض العلاجات الخاصّة.
هل يُجرى لكلّ ورم عمل جراحي؟
لا.
وهذا موضوع مهمّ اليوم خاصّةً.
فقد يُقدَّر خيار المتابعة اللصيقة بدل العملية الفورية في بعض الأورام الصغيرة جدًّا غير المفرِزة للهرمون ذات خصائص الخطر المنخفض.
غير أنّ القرار لا يُتَّخذ بالنظر إلى قطر الورم وحده.
بل يُقدَّر معًا:
- حجم الورم
- سرعة نموّه
- موضعه في البنكرياس
- درجته وقيمة Ki-67
- هل يفرز هرمونًا أم لا
- صلته بقناة البنكرياس الرئيسة
- سنّ المريض وحاله العامّة
كيف يكون العلاج الجراحي؟
قد يختلف نوع العملية بحسب القسم الذي يقع فيه الورم من البنكرياس.
فقد تلزم عملية ويبل في بعض أورام رأس البنكرياس، واستئصال البنكرياس القاصي في أورام الجسم أو الذيل.
وقد تُستعمَل في بعض الأورام الصغيرة الملائمة الموضع أساليب جراحية أضيق ترمي إلى حفظ نسيج البنكرياس قدر الإمكان.
ويهمّ أن يتّخذ قرار الجراحة فريق ذو خبرة بجراحة البنكرياس.
هل العلاج ممكن إن كان الداء منتشرًا؟
نعم.
فثمّة خيارات علاجية مختلفة حتّى في الأورام النقيلية، ويمكن ضبط قسم من الأورام الجيّدة التمايز خاصّةً مدّة طويلة.
ومن خيارات العلاج:
- نظائر السوماتوستاتين
- الأدوية الموجَّهة
- المعالجة الكيميائية
- العلاجات الموجَّهة إلى الكبد عند بعض المرضى
- العلاج الإشعاعي النويدي بمستقبلات الببتيد (PRRT)
- الجراحة عند مرضى منتقين
ويُحدَّد العلاج المختار بحسب درجة الورم وامتداده وإفرازه الهرموني وحال مستقبلات السوماتوستاتين والحال العامّة للمريض.
ما العلاج الإشعاعي النويدي بمستقبلات الببتيد؟
هو علاج خاصّ موجَّه إلى بعض الأورام العصبية الصمّاء التي على سطحها مستقبل للسوماتوستاتين.
وببساطة يُجمَع:
الجزيء الذي يجد المستقبل على خليّة الورم + المادّة العلاجية المشعّة
فيرتبط الجزيء بخليّة الورم ويعين على إيصال الإشعاع في معظمه إلى نسيج الورم المستهدَف.
وليس كلّ مريض أهلًا لهذا العلاج.
هل قد ينتشر إلى الكبد؟
نعم.
فالكبد من أكثر مواضع النقائل في الداء المتقدّم.
غير أنّه لا ينبغي تقدير انتشار هذا الورم إلى الكبد كتقدير السرطانة الغدّية البنكرياسية التقليدية.
فقد يمكن ضبط بعض الأورام النقيلية مدّة طويلة بحسب سلوكها الحيوي.
ويمكن عند مرضى منتقين تطبيق علاجات جراحية أو شعاعية تداخلية أو جهازية موجَّهة إلى نقائل الكبد.
هل له صلة بالأمراض الوراثية؟
القسم الأكبر من هذه الأورام غير موروث.
غير أنّه قد يرتبط عند بعض المرضى ببعض المتلازمات الموروثة، وفي مقدّمتها MEN1 (الورام الصمّاوي المتعدّد النمط الأوّل).
وقد يُطرَح التقدير الوراثي خاصّةً في حالات:
- نشوء الورم في سنّ صغيرة
- وجود أكثر من ورم
- وجود أورام مشابهة في العائلة
- مرافقة أورام صمّاوية أخرى
ما الفرق بينه وبين سرطان البنكرياس التقليدي؟
هذا التمييز بالغ الأهمّية للمرضى.
فسرطان البنكرياس التقليدي (السرطانة الغدّية القنويّة) والورم العصبي الصمّاوي البنكرياسي ينشآن من خلايا مختلفة.
وعليه:
تشخيص الورم العصبي الصمّاوي ≠ تشخيص سرطان البنكرياس التقليدي.
وعلاجاهما وسير الداء مختلفان أيضًا.
فبعض الأورام العصبية الصمّاء المنخفضة الدرجة خاصّةً قد يسير أبطأ بكثير من السرطانة الغدّية البنكرياسية التقليدية.
كيف تكون المتابعة؟
تُحدَّد خطّة المتابعة على نحو خاصّ بالمرء بحسب خصائص الداء.
ويمكن استعمال أساليب التصوير كالطبقي المحوسب أو الرنين، وتصوير مستقبلات السوماتوستاتين عند اللزوم، وفحوص الهرمون المعنيّ في الأورام المفرِزة للهرمونات.
وقد تلزم متابعة طويلة الأمد بعد العملية أيضًا بحسب خصائص الورم.
لا تنسَ
أورام البنكرياس العصبية الصمّاء زمرة أورام مختلفة عن سرطان البنكرياس التقليدي.
فبعضها قد يُحدث بإفرازه الهرمونات أعراضًا بالغة التميّز كنقص سكّر الدم أو القرحة المقاومة أو الإسهال الشديد؛ وبعضها قد يُعثَر عليه مصادفةً في التصوير دون أن يُحدث أيّ عرَض.
وسلوك هذه الأورام شديد الاختلاف. ولذلك يُنظَر في قرار العلاج لا إلى حجم الورم وحده، بل إلى كونه عاملًا أو غير عامل، وإلى درجته، وقيمة Ki-67 لديه، وتمايزه، وامتداده.
وكما أنّه لا يلزم إجراء عملية فورية لكلّ ورم صغير، فإنّ ثمّة في الداء المتقدّم خيارات علاجية شتّى منها نظائر السوماتوستاتين والعلاجات الموجَّهة والعلاج الإشعاعي النويدي.
ويهمّ أن يقدّر التشخيص والعلاج فريق متعدّد الاختصاصات تعمل فيه معًا أمراض الجهاز الهضمي والغدد الصمّ وجراحة البنكرياس والأورام الطبّية والطبّ النووي والأشعّة وعلم الأمراض.
المصادر
- أ.د. علي توزون إنجه — مراجعة 2026